الملف: النيوليبرالية والسوق الحرة وعقيدة الصدمة

من طرف

عقيدة الصدمة، ما هي؟ ولماذا هذا الإسم؟ من أين جاءت الفكرة وكيف تطورت؟ كيف انتقلت الفكرة من مستشفى لقبو جامعة إلى أن سيطرت على العالم؟ النيولبرالية والسوق الحرة… وهل الحرية الاقتصادية تعني الحرية الفردية؟

1. كل شي بدأ في كندا

ايوين كاميرون طبيب نفسي اسكتلندي الأصل، أمريكي الجنسية، اشتغل في كندا عميدا لرابطة أطباء النفس في أمريكا وكندا والمنظمة العالمية للطب النفسي في خمسينيات القرن الماضي. تلقى تمويلا من وكالة الاستخبارات الأمريكية لإيجاد طريقة لغسل عقول مرضاه. كانت تجاربه تهدف إلى تحويل مرضاه إلى صفحات بيضاء يستطيع كتابة ما يريد عليها وذلك باستعمال التعذيب. جرب كل شيء من العزل الحسي إلى الصدمات الكهربائية، استطاع كسر شخصيات مرضاه، لكنه لم ينجح أبدا في بنائها من جديد. انتهت تجاربه بكتابته كتيبا يلخص فيه تجاربه تحول فيما بعد لدليل تعذيب انتشر في أنحاء العالم.

2. جامعة شيكاغو

القسم الاقتصادي للجامعة طور فكرا جديدا وتيارا معاكسا للتيارات الاقتصادية القائمة في ذلك الوقت والتي كانت إما يسارية اشتراكية أو متوسطة كينزية، والفكرين معا كانا يعقدان لجام الشركات والطبقة البرجوازية ويصبان في مصلحة الطبقة العاملة والمزيد من التحكم المركزي في العرض والطلب، وهو ما لم يعجب أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة. لكن معادات كل هذا يعني معاداة الرغبة الشعبية، شيء لم يستطع سياسيوا ذلك الوقت المخاطرة به إلى أن جاء…

3. ميلتون فريدمان

عالم اقتصادي حاز على جائزة نوبل في الاقتصاد سنوات بعد ابتكاره لما يسمى السوق الحرة أو النيوليبرالية. رئيس القسم الاقتصادي في جامعة شيكاغو والأب الروحي لما سيسمى بعد ذلك بـ‘‘صبيان شيكاغو‘‘. مؤمن أشد الإيمان بفكر آدم سميث، ويعتبر الاقتصاد كيانا مستقلا بذاته ككوكب الأرض، وأن العرض والطلب والبطالة والشغل هي قوى طبيعية كالزلازل والبراكين… لا يحق للإنسان أو الحكومات التحكم بها، لذا طالب بخصخصة كل شيء وخفض الرسوم الجمركية وفتح أبواب كل بلدان العالم للشركات العالمية وهو ما كان عكس التيار القائم في دول العالم الثالث المستقلة حديثا والتي كان أغلب قيادها دعاة للتأميم وللتحكم المركزي للدولة في مفاصل الاقتصاد سواءا على الطريقة الاشتراكية أو الكينزية.

4. التجربة الأولى في التشيلي

أحمق كل من يعتقد أنه إن ترشح لانتخابات ما وهو يملك برنامجا يدعو إلى تطبيق عقيدة فريدمان قادر على الفوز. فعقيدة تدعو إلى الخصخصة وبيع مفاصل الدولة إلى الشركات الخاصة ومحو الحد الأدنى للأجور لن يصوت عليها أي ناخب، واحتاج فريدمان إلى ‘‘صدمة‘‘ كيفما كانت، صدمة كتلك التي كان كاميرون يخضع مرضاه لها ليمحوا شخصياتهم ويجبرهم على قبول أي شيء ليستطيع تطبيق إيديولوجيته.

المختبر الأول كان بلد جنوب أمريكي وهو التشيلي، حيث بعد انتخابه حديثا دعا ألييندي الرئيس الجديد إلى تأميم العديد من القطاعات وهو ما لم يعجب الشركات الكبرى الأمريكية، منها خاصة شركة ا.ت.ت المستحوذة على قطاع الاتصالات في البلد الاتيني والتي من جهة فتحت منحا خاصا بطلبة من التشيلي ليكملوا تعليمهم الجامعي بشيكاغو ويصبحوا حاملين لفكر فريدمان، ومن جهة أخرى دعمت عناصر من الجيش بقيادة الجنرال بينوتشيه إلى أن قام بانقلاب له في 11 سبتمبر 1973 ليسقط ألييندي ويرديه قتيلا ويستعين بصبيان شيكاغو. هؤلاء جهزوا دليلا اقتصاديا لقيادة البلد في مرحلة ما بعد الانقلاب طبقوا فيه كل ما نادى به فريدمان من خصخصة ومحو الحد الأدنى من الأجور… سموه بالأجرة، سهل عنف النظام العسكري في تطبيقه ومحو كل مقاومة شعبية، حيث اعتقل النقابيين واليساريين والاشتراكيين وكل من عارض الفكر الجديد. فكر لم يمنح الشعب ما أراد ورفع معدلات البطالة والفقر إلى أرقام قياسية.

5. أمريكا اللاتينية سوق حرة

بعد أن كانت القارة الجنوب أمريكية معقل التنمويين والدعات إلى التأميم والنهوض بالعالم الثالث، قادة حاولوا جعل المنطقة سوقا خاصة بهم يساعد فيها البلد جاره، أتت عقيدة الصدمة ورؤوس الأموال لتمحو كل هذا ودعمت جيوش هذه البلدان للتوالى الانقلابات العسكرية آخذة معها الأنظمة الديموقراطية للبرازيل، الأرجنتين، الأوروغواي والعديد من الدول الأخرى لاحقا كبوليفيا. فبعد أن كانت سوقا تنموية تحولت القارة إلى أول تجربة للسوق الحرة.

6. انتقال العدوى

انتقلت العدوى إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبريطيانيا هذه المرة بعد وصول تلميذين إيديولوجيين لفريدمان وهما ريغان وتاتشر، لم يستطيعا تطبيق ما طالب به فريدمان في البداية في ظل ديموقراطيات قوية كتلك التي تملكها القوتين. فلحد اللحظة، السوق الحرة لم تجد لها مكانا إلا تحت مظلة العنف والقمع والانقلابات، لكن سرعان ما سيأتي ما سوف يساعد تاتشر وريغان، حرب الفوكلند والتي مثلت نقطة التغير في بريطانيا التحكمية، حيث أن تاتشر كانت تحت وطأة شعبيتها المنخفضة بعد السنين الأولى من حكمها، لكن فوزها في حربها ضد الأرجنتين على جزر بريطانية قريبة من الساحل الأرجنتيني (كانت تسعى تاتشر للتخلص منها في البداية بحجة أن كلفة حراستها مرتفعة) قفز بشعبيتها ومنحها ولاية ثانية وضوءا أخضرا بصفتها حامية للشعب البريطاني، خول لها ذلك بيع كبريات الشركات البريطانية وخصخصة قطاعات الدولة وقمعها للتكتلات النقابية وعلى رأسها نقابة عمال المناجم.

7. البنك الدولي وصندوق النقد أطراف للمخطط

بعد أن أراد كينز من هاتين المؤسستين أن تحافظا على الاستقرار الاقتصادي للبدان وضحد أي محاولة لإدخال بلد ما في أزمة خانقة كما كان الحال في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى والتي تحولت بعدها إلى منبت للنازية، تحولت المؤسستين إلى ناد خاص لطلاب جامعة شيكاغو، الشيء الذي أعطى فيما بعد ‘‘اتفاقية واشنطن‘‘. فبعد أن كانت المؤسستين تقدمان القروض والمنح للدول لحمايتها من الركود والأزمات الاقتصادية، أصبحتا تفرضان عليها رزمة من السياسات التي تحولها إلى سوق حرة لتسهيل حصولها على القروض.

8. بولندا

المخيم الشرقي كان عصيا على صبيان شيكاغو، حيث لطالما تحكم الكريملين هناك في كل شيء وقدم نظاما اقتصاديا يدعوا إلى كل ما يعارضه فريدامن من تحكم مركزي وشركات تابعة للدولة وتحكم في الأسعار… إلى أن أتت بولندا.

في عام 1980 اجتمع العديد من العمال حول قائدهم الكهربائي البسيط ليش فاليسا مطالبين بحقهم في تكوين نقابة تدافع عن حقوقهم وكونوا واحدة سموها ‘‘التضامن‘‘، استطاعت هذه الأخيرة في وقت قصير جمع 10 ملايين عامل تحت لوائها وقامت بالعديد من الاضرابات والاعتصامات إلى أن منحت الحق في الوجود وتم الاعتراف بها من قبل السلطات عام 1981. لكن الفرح لم يدم طويلا، حيث سرعان ما أعلن القائد العسكري لبولندا جاروزلسكي قيام الحكم العسكري وحل النقابة وسجن آلاف العمال وعلى رأسهم فاليسا. سنوات بعد ذلك بعودة العمال إلى التظاهر، اضطرت الحكومة إلى الاعتراف بالنقابة مرة أخرى وإطلاق سراح السجناء، ونظمت انتخابات مبكرة عام 1989 فاز فيها مرشحوا النقابة بالأغلبية الساحقة وهكذا فتح الشرق ولأول مرة أبوابه لصبيان شيكاغو والسوق الحرة.

استعانت حكومة التضامن المعينة حديثا بجيفري ساكس، الخبير الاقتصادي الأمريكي الذي عرض عليها خطة لمعالجة أزماتها الاقتصادية، خطة تعتمد على عقيدة الصدمة وهو ما اضطر بولندا القبول به، ففتحت أبوابها للشركات المتعددة الجنسيات ووجد الناس نفسهم في فقر وبطالة أكثر من سابقتها تحت الحكم الشيوعي وهو ما فسر شروع الاشتراكيين الممثلين في الحزب السوسي-ديموقراطي في الانتخابات الموالية وخسارة حركة التضامن لمقاعدها.

9. إفريقيا والصين وروسيا

ككرة الثلج، استمرت عقيدة الصدمة في الانتشار وبتوجه البلدان المستقلة حديثا إلى صندوق النقد الدولي، اضطرت لقبول شروطه التعسفية من أجل الحصول على القروض ففتح العالم على مصراعيه لرؤوس الأموال الكبرى المتواجدة في واشنطن واستمرت الظاهرة في الانتشار. القمع والرعب السياسي في كل مكان وتغيير اقتصادي للأنظمة القائمة لاستبدالها بأخرى جديدة.

الصين وساحة تاينانمن في 1989، روسيا وغورباتشوف وبعده بوريس التسين في 1991، ثم دولة جنوب إفريقيا ونلسون منديلا بعد ذلك سنة 1994. آخر جيوب الفكر الشعبي المطالب بتقسيم عادل للثروات تم إخمادها وأصبح  العالم سوقا حرة.

10. أفغانستان والعراق

انتهى العدو الشيوعوي اليساري؟ والآن نحتاج إلى صدمة أخرى إلى عدو آخر؟ كان هذا هو العنوان الرئيسي بعد الهدوء النسبي في السنوات الأولى من الألفية الجديدة. احتاج تلامذة فكر فريدمان إلى صدمة أخرى وعدو آخر بعد فناء الشيوعية التي كانت توجه إليها أصابع الاتهام فظهر الإرهاب.

11 سبتمبر 2001، تاريخ صدم الشعب الأمريكي بأكمله. وفي ظل هذا التحول، قدم ملايين الناس مفاتيح أصواتهم إلى إدارة بوش التي استغلت الأمر ونصبت نفسها مدافعة عن الحرية في كل مكان ففتحت العالم وغزت البلدان باسم الحرية ومحو الإرهاب، حروب جنى منها أصحاب الشركات الملايين بل المليارات.

لكن التاريخ يعيد نفسه، الطبيب كاميرون دمر مرضاه، لكنه لم يستطع أبدا بناءهم من جديد، ونفس الأمر بالنسبة للولايات المتحدة التي دمرت البلدان، لكنها لم تستطع أبدا بناءها من جديد.

11. العالم سوق حرة، ولكن…

صعود اليمين المتطرف في كل مكان، بريكسيت في بريطانيا، ترامب في أمريكا وأمثال لوبين في أوروبا يوحي بأن فكر السوق الحرة لن يستمر طويلا. فكل هؤلاء يدعون إلى إغلاق أبواب بلدانهم للمهاجرين والمنتجات الخارجية وفرض قيود على التجارة الحرة لتعزيز الاقتصاد الوطني. لكن هل سيسمح أحفاد فريدمان بذلك؟ سنوات قادمة ستعطينا الإجابة.

إنسان قبل كل شيء، رأيت نور الحياة لأول مرة فوق رمال السعودية الحارقة ثم حططت الرحال بالمغرب، طالب طب في صباحي، باحث عن أدب وسياسة وتاريخ في مسائي، عجمي اللسان، عربي الريشة، قلمي من إنسان لإنسان من أجل حياة كريمة لكل إنسان.

مقالات لكل زمان

26 مايو 2017

إختبار: ما هي شهيوتك الرمضانية المفضلة إستناداً على 8 أسئلة؟

6 يوليو 2017

7 أشياء تجعل من الحافلات المغربية أجمل وسيلة للنقل

28 أغسطس 2016

إليك 10 أسباب تدفعك الى اختيار 'طالب الكلية' كرفيق لحياتك

3 مايو 2017

10 أنواع الطلبة المغاربة عند اقتراب فترة الامتحانات

25 مارس 2017

ماذا لو كان المغرب ينتمي للقارة الأوروبية؟

22 يونيو 2017

5 عناصر أساسية يجب على العروس اجتنابها قبل موعد زفافها

9 مايو 2017

10 نصائح للقيام برحلة حول المغرب دون إنفاق الكثير من المال

25 يونيو 2016

6 معلومات شائعة عن الحيوانات... لكنها خاطئة

14 يونيو 2016

التوقعات ضد الواقع : كيف نتخيل وجهات سفرنا وكيف نجدها في الواقع

25 يونيو 2015

صور مؤثرة لكلاب قبل وبعد إيوائهم

مغربي يُرقِص أمريكيين على إيقاعات موسيقى الشعبي

أغنية 'هاك أماما' بصوت أسماء لمنور

ماذا إن كان كبور أحد المشاركين في مهرجان موازين ؟

الملف: النيوليبرالية والسوق الحرة وعقيدة الصدمة

من طرف محمد الفيلالي صدوق